الاستبداد والانحلال والفساد

ثلاث ظواهر شنيعة، لا يمكن أن يستقـر بأحدها المقام في أيّ مكان، دون أن تهرع إلى بعضها البعض، فتآزر الواحدة الأخرى لتتعاون على الإثم والعدوان، وتتفق على إشاعة الأجواء الملائمة لبقائها.

فكل واحدة منها تجد في أختيها المـدد الذي يعزز وجودها، والقوة التي ترسّخ أقدامها، والمتكئ الذي يسند عضدها؛ ولذلك عندما يعتري أحدها الضعف تتضافر معا من أجل تشديد القبضة على عنق المجتمع وروحه.

فإذا أرخى الاستبداد قبضته، بعد طول القبض أو عندما يبدأ المجتمع يتململ تنكشف عيوب الاستبداد ويظهر خوره، فيهون أمرُه عند الناس، ويظهر ضعفه عندهم؛ فيلجأ عندئذ إلى بنات الهوى ودعاة جهنم؛ فيشيعوا في الناس الفواحش، ويحبّبوا إليهم سلوك طريق البهائم، ويزيّنوا لهم طريق الغواية؛ فتميل القلوب وتنشرح لكل شيء قذر، وتقسوا وتجفوا على كل شيء نقي طاهر؛ وتـرِد بأصحابها على كل مورد خبيث، وتقودهم إلى كل المصبّات الآسنة.

ثم .. فإن الاستبداد لا يطمئن له بال، حتى لو تفنن الانحلال في القيام بدوره، ولن تقر له عين حتى لو صرَع العقول، وحوّل بعض الناس إلى عجول

ولذلك تجده يُحكم عقدته بحبائل الفساد، فيقنص ما بقي من عجول، ويشتري ما انفلت من ضمائر وعقول.. ويُطلقها في الزرائب وعلى الغيطان.. حتى تدوس الأعشاب الطرية.. وتنشر روائحها العفنة في كل الأرجاء.. فتخدِّر كل من يعير أنفه لمجاري الفساد.. فتسحبه معها كل تابع خائر، وتجره من الغرائز والبطون..

وبهذا .. ينخَرِط الجميع في اللعبة إياها.. لعبة نزع الحياء.. لعبة التطبع على ما يأباه سليم الطبع.. لعبة فيها حصاد دائم من دون زرع أو حرثو ، وقطف مستمر من دون غرس أو بِذار.

ومن عجب العجاب، أن شاعت في زماننا الدويلات الكثيرة، بحيث أضحت كل مؤسسة ووكالة مثل الإمبراطورية.. يتصرف حكامها وكأن (أي) رئيس الدولة (حاشا لله) قال لهم اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم أدرانكم وأوساخكم، ما مضى منها، وما هو آتٍ..

ولذلك أصابهم داء الاستبداد بالرغم من ضعف جانبهم، ومسّهم هوس الفساد فصارت حياتهم تدور حول رحاه، وأعمت الغرائز عيونهم ( فهم بدون بصيرة).. فهم في شُغل دائب لتوسيع مجرى شهواتهم، وفي لهج مستمر لنشر شباكهم.

ولذلك كلّه.. كان تخوف ملائكة الرحمان في محلّه عندما بدأ خلق هذا ” الخليفة “.. فقد آلمهم أن يتنكب الخلفاء والمسؤولون الطريق فيفسدوا في الأرض، (ويسفكوا الدماء)..

ولكن بعد ذلك زال تخوفهم لما علم الكل أن للشر نهايـة (وإن تكرر الأمر باستمرار) وأنّ غدا لناظره قريب..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر